(1 )
الخزين العقلي للانسان (أقيسة الوعي والمعرفة)ـ
أؤكد أولاً على نقطة مهمة وهي ان العقل يتكون من جانبين أساسيين متمايزين ومتفاعلين هما الوعي والمعرفة والوعي هو كل ما قام به وما يقوم به الانسان الفرد المنتمي لمجاله الجذبي من خلق، فهو كل ما ينتمي إلى وطن ويكون أبا روحياً للحضارة، والمعرفة هي كل ما قام به وما يقوم به الانسان المجرد من كشف، فهو كل ما لا ينتمي إلى وطن بل للانسانية جمعاء وهو أباً روحياً للمدنية، والفارق الذي يفرق الخلق عن الكشف هو ماينتمي وما لا ينتمي إلى مجال جذبي جدلي للواقع، وان الجانب العقلي الذي يحدث فيه اضطرابات نفسية ويؤدي إلى انهيار في الشخصية هو جانب الوعي من العقل وليس المعرفة وان أي انهيار موضوعي في جانب المعرفة من العقل، بمعنى اكتشاف حقائق جديدة تثبت اخطاء مفاهيم سابقة كان يعتقد بصحتها لا يؤدي إلى انهيار في الشخصية وانما يؤدي إلى التعديل الذاتي للخزين العقلي في جانبه المعرفي على ضوء الكشف المعرفي الجديد لأن الجانب المهيمن في السيطرة على العقل بمستوى الشخصية هو الوعي وأذكر هنا ما قاله الفيزياوي البارز لورنتس عندما كان يحاضر في ((موديل رذر فورد – بور)) للذرة لمّا حدث من (انهيار) لبعض التصورات والافكار الفيزياوية المعتبرة للميكانيكا الكلاسيكية تحت معاول(1) الفيزياء الحديثة ((أين هي الحقيقة ان استطاع المرء ان يزعم عن الشيء الواحد زعمين يناقض أحدهما الآخر ويستبعِدهُ ؟ هل باستطاعتنا التوصل إلى الحقيقة على الاطلاق وهل هناك عقل أو ارشاد في الاشتغال بالعلم ؟ لقد فقدت ايماني في ان عملي يؤدي إلى حقيقة موضوعية، ولا أعرف لماذا أعيش. أتمنى لو كنت قد مت قبل خمس سنوات حيث كان كل شيء يبدو لي واضحاً جلياً))(2).ـ
الخزين العقلي للانسان يتضمن ما يحويه من أقيسة لجانبي العقل: الوعي والمعرفة والذي يتفاعل مع كل معطى ذهني أو موضوعي، فهو جهاز الادراك عند الانسان الذي يعطي معنى للإحساس، وهو تكوين جدلي مرتبط بسلسلة التطور العضوي والعقلي لدى الانسان الفرد والتاريخي للمجتمع الذي يحيا فيه، يكون المعنى مرتبط بتوظيف الخبرة الذاتية كوعي جديد حتى يمكن ان نسمي الانسان بالكائن الذي يعطي معنى للاحساس ((فمن الخطأ ان يقال ان المنبه الخارجي هو الذي يولد الاحساس، بل من الخطأ – إذا أردنا توخي الدقة في التعبير ان يقال ان التنبيه يتحول إلى احساس. كل ما في الامر هو ان التنبيه الخارجي يحول الاحساس الكامن إلى احساس فعلي واضح – المنبه الحسي هو مجرد منشط للطاقة الداخلية وللاحساس الكامن، ووظيفة الجهاز العصبي بتوجيه هذا التطور وتركيزه))(3). والفرق بين الادراك الحيواني والانساني يكمن في تجرده عند الحيوان من التوظيف التاريخي وبالتالي انعدام الموضوعية كعقل كامن كما هو موجود عند الانسان حيث ان المقياس الذهني البسيط عنده (أي الحيوان) يتطور في أعلى درجات ارتقاءه إلى مقياس ذهني وظيفي (كما اوضحت ذلك سابقاً) دون ان يتوظف كخبرة لأجيال نوعه. ـ
(1) لغرض تكوين صورة ذهنية عامة لحجم هذا الانهيار انقل أدناه
نص للفيزياي جيمس جينز لما له من أهمية في عرض هذه المعاول الثلاثة للفيزياء
الحديثة (المتمثلة بنظرية الكم لبلانك والقوانين الاساسية للنشاط الاشعاعي لرذرفورد
وسوي، وتركيب اينشتاين لهما عام 1917م باسلوب تمثيلي ((قد صورت الميكانيكا
الكلاسيكية عالماً مكوناً من مادة واشعاع، فالمادة تتكون من ذرات والاشعاع من
موجات، اما نظرية بلانك فلجأت إلى تصوير الاشعاع في صورة ذرية مشابهة لما سبق ان
وضعت به المادة، فافترضت ان الاشعاع لا ينطلق من المادة على شكل تيار متصل مثل تيار
الماء المتدفق من خرطوم بل هو أشبه بطلقات من الرصاص تنطلق من مدفع رشاش، فالاشعاع
ينطلق على هيئة مقادير منفصلة أطلق عليها بلانك أسم الكمات
guanta، وهو أمر له عواقب فلسفية خطيرة كما
سنرى. واضافة لافكار بلانك، افترض الاستاذ نيلزبور Niels
bohr من كوبنهاكن اننا لو شاهدنا الجسيمات
النهائية للمادة من خلال ميكروسكوب له قوة تكبير بما يكفي لذلك (وهو أمر بعيد عن
التحقيق العملي) فانها ستبدو متحركة، لا كقطارات تجري بسلاسة على قضبانها، بل
كحيوانات الكنجر وهي
تقفز في احد الحقول، والعلاقة البارزة الثانية في مجال الفيزياء الحديثة، هي
في اعلان رذرفورد Ruther ford
وسودي Soddy 1903
لقوانين الاضمحلال الاشعاعي الاساسية ولم تكن تلك القوانين بأي حال من الأحوال
تطويراً لنظريات بلانك، بل لقد انقضت أربع عشرة سنة قبل ملاحظة أي علاقة بينهما
أكدت القوانين الجديدة ان ذرات المواد المشعة تتكسر تلقائياً، دون أي صلة باحوال
معينة أو احداث خاصة، وهذا ما أحدث شروخاً مفاجئة في النظرية الكلاسيكية أكثر مما
أحدثته قوانين بلانك الجديدة، فقد ظهر التكسر الاشعاعي كنتيجة ليس لها سبب، مما
يفترض ان القوانين النهائية للطبيعة ليست سببية، وتمثلت العلامة البارزة الثالثة
التي ربطت العلامتين الكبيرتين السابقتين في البحث النظري الذي نشره اينشتاين 1917،
فقد أظهر ان اضمحلال المواد المشعة تحكمه نفس القوانين التي تحكم قفزات الالكترونات
الشبيهة بقفزات الكنجر كما وصفها بور، لقد بدأ وكأن الذرات المشعة تحتوي على مزرعة
لحيوانات الكنجر تعد أكثر نشاطاً وضراوة من كل ما قابلوه حتى ذلك الحين، ظهرت
القوانين المتحكمة في القفزات التلقائية لحيوانات الكنجر في غاية البساطة، فمن ضمن
أي عدد من الحيوانات الكنجر تقفز دائماً نسبة معينة في زمن محدد، ولا شيء يقدر على
تغيير هذه النسبة، وكذلك فقبل حدوث القفزات، لا يوجد في عالم الظواهر ما يميز هذه
الحيوانات التي ستقفز من تلك التي لن تقفز، وليس لحسن المعاملة أو لسوءها ان يجعل
كنجراً يقفز ان لم يفعل ذلك بمزاجه، لكي يساعد بذلك في ملئ الحصة المطلوبة من
البيانات التي تحتاجها القوانين الاحصائية، ص175. الفيزياء والفلسفة، جيمس جينز،
ترجمة جعفر رجب)).
(2) مطلب: الفلسفة والفيزياء جـ1 ص169.
(3) عوض: علم النفس الفسيولوجي ص130.
وهذا الخزين يمثل أحكام الانسان العقلية لشتى الموضوعات، وان الشيء المطلق هو وجود هذا الخزين العقلي للانسان بشكل نسبي، وهذه المقاييس ليست مناطق طوبوغرافية في داخل الخزين معزولة بعضها عن الآخر بل مناطق ديناميكية مرنة يعاد النظر بمفاهيمها باستمرار وهي تمثل انطباعات حقائق العالم الموضوعي في ذهن الانسان في جانبها المعرفي وتمثلاته الذهنية كوعي لسلوكيات هذا العالم، وفي هذا الفارق ما بين انطباعات الحقائق والتمثلات الذهنية تكمن الحقيقة (الموضوعية) لنسبية عقولنا باعتبارها تمثل مفاهيمنا عن الحقائق الموضوعية كمعرفة وللواقع النامي كوعي والتي (تنتهي) بتكوين أقيسة موضوعية للتفكير والسلوك كحقائق وقيم، فعلى سبيل المثال، ان نظرة بسيطة للقيم الاخلاقية للمجتمعات (تباين السلوكيات) وخاصة البدائية منها نستطيع ان نستنتج بان وجود القيم الاخلاقية في المجتمعات ليست لذاتها بل لعلاقات الوعي الجمعي لها، أي هي نسبية بالنسبة لكل مجتمع كنتاج لتمثلها التاريخي في المجتمع نفسه وبالنسبة لمقدار تمثل ذهن الفرد لها ((ان زوجات رؤساء قبائل الفيجان يعتبرن تعذيبهن بعد وفاة أزواجهن واجباً مقدساً لقد خلص (وليامز) أحدى هؤلاء النساء من تعذيب قومها لها، ولكنها هربت في الليل وعبرت النهر وقدمت نفسها لقومها وأصرت على اتمام عملية التضحية وانها قد هربت في ساعة ضعف منها ويحدثنا (ويلكتيز) عن امرأة أخرى اتهمت من انقذها بانتهاك حرمة واجبها المقدس وحملت له كراهية كبيرة بعد ذلك ويذكر (ليفينجتون) ان نساء الماكولولو على شواطئ (الزامبيري) أبدين دهشة كبيرة عندما قيل لهن ان الرجل في انكلترا يقتصر على زوجة واحدة، اذ ان من يقتصر على زوجة واحدة لا يعد محترماً في نظرهن ويذكر لنا ((ريد)) ان الرجل إذا تزوج في افريقيا وكانت ظروفه تساعده على الزواج من زوجة أخرى فان زوجته تلح عليه الزواج مرة أخرى وتتهمه بالبخل لو رفض الزواج من ثانية ان هذه الحقائق تصطدم مع الاعتقاد بوجود احساس اخلاق فطري يوحي إلى الانسان بما هو صواب أو خطأ ولكن اقتران اللذة والألم بسلوك الخير والشر يشير إلى وجود مقياس من الحقيقة في الفكرة))(1) ولتقريب هذه النقطة أكثر للاذهان، نأخذ مثل العملة الوطنية لكل بلد، فالعملة تكمن بداخلها قيمة لاشياء موضوعية، فالقيمة لا تكمن في العملة بذاتها وانما في علاقاتها التبادلية بين الموضوعات (السلع) داخل المجتمع، التي تستعمل بذاتها (أي السلع) كوسيلة لتلبية الحاجات، فهي (أي العملة) وسيلة لتحقيق غاية، لأنها تختزن بداخلها قيمة تلك الموضوعات والعملة بحد ذاتها لا يمكن تجريدها عن ظروف المجتمع وامكانياته وعلاقاته مع المجتمعات الأخرى والوعي الجمعي لقيمتها. وتكون القيم(2) بهذا المعنى من محددات الإرادة والتي تختلف فيها درجة التحديد باختلاف درجة التعقيد للموضوع المدرَك، فماهية القيم الاجتماعية تختلف اختلافا جوهرياً عن ماهية الحقائق ففي الوقت الذي تكون فيه الحقائق الموضوعية خزين عقلي مفتوح لموضوع ما يخضع فيه العقل للقوانين الموضوعية في جانبه المعرفي والمتمثل بآخر تكشف له (أما ان يكون اكتشاف حقائق جديدة أو تقلص لاخطاء سابقة) والذي يمكن نقله وتجريده من مجتمعه إلى مجتمعات أخرى، فان القيم (السلوكيات) هي خزين عقلي مغلق يخضع فيه جانب الوعي من العقل لسياق الوعي الجمعي(3) الذي تكّون فيه حيث لا يمكن نقله وتجريده من مجتمعه إلى المجتمعات الأخرى، ففي اليابان مثلاً يبرز هذا التقسيم بشكل حاد، لأنه لم يحدث نمو متوازن لجانبي العقل: الوعي والمعرفة، حيث كان تطورها كبير في الجانب المعرفي من العقل (المدنية) ولم يكن تأثيره على جانب الوعي (الحضارة) من العقل المتكون تاريخياً والمتمثل بالمعتقدات والعادات، بحجم هذا التغيير، بل كان بطيئاً وجزئياً.ـ
(1) ديورانت: قصة الفلسفة، ص489 ت: فتح الله محمد المشعشع.
(2) ((ان ما يقصده علماء الاجتماع والنفس والانثروبولوجيا بالقيم هو أكثر من الارضاء النفسي، فالقيمة عند هؤلاء تتجاوز أولاً هذا الارضاء أو هذا التركيز العاطفي إلى التصور الذهني أو الهدف نفسه الذي قد يكون مادياً أو سلوكياً يسعى الانسان إلى تحقيقه أو تعيينه، والقيمة في هذا المعنى هي قيمة نفعية. والقيمة من الناحية الثانية وعلى ضوء معناها السابق تكون شديدة الارتباط بالغائية فان أوصافها العملية تضم شيئاً من تفصيلات المنظار الكوني، وأخيراً ومن زاوية الانثروبولوجيا تكون قيم مجتمع أو حضارة من الحضارات في الواقع مجرد تركيز انفعالي وذهني حول اهداف محددة بل تمثل مبادئ تحتضنها اعداد كبيرة من أعضاء المجتمع وتتصف بكونها مرغوبة ومقبولة وانها تتغلغل في كافة أقسام وعناصر حضارة المجتمع، ومن هذا الوصف يمكن القول ان القيم هي استنتاجات يتم استخلاصها من الدراسات العميقة التي تفضي إلى تشخيص نماذج منطقية logical types متناهية الانتظام، ص40 الحضارة والشخصية د. قيس النوري)).
(3) اذكر هنا الفارق من دراسة الاستاذ مالنفسكي علىانسان جزر التروبرياند ودراسة الاستاذ كاردنر على انسان جزر آلور البدائيين من ناحية علاقة الأم بالاطفال، فالتروباريانديات يقضي العرف عليهن ان تكون روابطهن باطفالهن أقوى وأثبت من رابطتها بزوجها والاتصال الجسمي يستمر بين الطفل وأمه لأنه يظل ينام في فراشها حتى زمن متأخر نسبياً من طفولته. أما الآلوريات فان الرعاية الجيدة الممنوحة للطفل تنتهي عندما يبلغ الطفل إسبوعه الثاني بعد الولادة بسبب انشغال امهاتهم عنهم في اعمالهن الزراعية بعيداً عن البيت تاركات الأطفال يصارعون قسوة الجوع، وان كره الام المكبوت من قبل أطفال الآلوريات أدى إلى عدم تبلور صورة لها كمثل أعلى في أذهانهم فالقصص والحكايات عندهم تجسد الكثير من العقد النفسية التي تعاني منها شخصية الآلوريين الأساسية وتخلو القصص عن صورة المرأة كمنقذ بل تصورها كساحرة تسرق الاطعمة من الاطفال لتأكلها، ص78 وص107 من كتاب الحضارة والشخصية حيث توجد دراسات حول انسان هذه الجزر)).
قام عالم العقاقير النفسية جوبس بتجربة ((وضع فيها مجموعتين، تتكون الواحدة منها من عشرة أفراد، في حجرتين منفصلتين، وأعطى التسعة في إحدى الحجرتين (جرعة مسكنة) من الباربتيورات
Barbiturate ولواحد فقط في هذه الحجرة (جرعة منشطة) من الامفيتامين اما في الحجرة الأخرى فقد أعطى لتسعة أفراد جرعة الامفيتامين وأعطى العاشر جرعة الباربتيورات ووجد ان الشخص الشاذ في كل حجرة كان يسلك مثل سلوك الاغلبية بدلاً من ان يسلك على النحو الملائم للعقار الذي تناوله، فسلك سلوك المسكن مع الامفيتامين والمنشط مع الباربتيورات، فتناول عقار ما قد يغير مزاج الشخص وسلوكه وما إلى ذلك، على ان هذا التغيير يعتمد اعتماداً أساسياً على السياق الاجتماعي، ليس فحسب بالنسبة لمدى التغيير وانما ايضاً بالنسبة لاتجاهه))(1).ـ(1) ستيفن روز وآخرين: علم الأحياء والايديلوجيا والطبيعة البشرية ص268 ترجمة د. مصطفى ابراهيم فهمي.
ولكن إلى أي مدى يكون فيه السلوك الذاتي للفرد صورة (طبق الأصل) من العلاقات الاجتماعية المتبادلة مع افراد مجتمعه؟ بسؤال أكثر دقة، ما الفاعل في منع تكرار الوعي لأن يصبح وعياً جمعياً وما عوامل تفعيل هذا الفاعل ؟
هنا يكمن جوهر الموضوع في فهم رد فعل الادراك المرتبط بدرجة الوعي لجهاز الادراك(1)، الفرق الجوهري بين الوعي الجدلي والتكيف هو جعل الموضوع في الوعي الجدلي مطابق للوعي وجعل الوعي في التكيف مطابق للموضوع، فالوعي الجدلي هو الذي يولَّد وعياً موضوعياً ومثل هذا الوعي لا يولد في التكيف باعتباره وعي الموضوع نفسه كوعي تماثلي دون ان يستحصل منه أي وعي جديد، والتكيف التقليدي لا يمثل تطوراً في تاريخ البشرية بقدر ما يمثل استجابة فردية كوعي تماثلي لتطور المجتمع الناتج من تموضع ذات بعدية الوعي، وعند هذه النقطة يوجه النقد الجوهري لافتراض سكنر ((بان الشخص لا يفعل بالعالم بل العالم هو الذي يفعل فيه))(2) حيث انه ينظر إلى الانسان كمستجيب للتعزيزات البيئية، فبتعبير العقل الجدلي ان الوعي عند سكنر يبقى دائماً وأبداً في أعلى مراحل تكوينه كوعي تطابقي (تماثلي) وبالتالي لا يمكن لهذه النظرية ان تعطينا اجابة عن كيفية تطور المجتمعات وخلق وعي يكتسب وجود موضوعي من خلال تموضع ذات بعدية الوعي، ان السلوك عندالسلوكية لا يتعدى أكثر من تراكم لاستجابات متعلمة، فهو استمرارية للوعي التطابقي لأنه مقيد بآصرة التنبيه – الاستجابة وهي تماثل آصرة الغاية – الوسيلة (لأنها لا يستحدث فيها أي وعي جديد) حيث التنبيه فيها كوسيلة تختار من بين مجموعة الوسائل الموجودة لتحقيق استجابة كغاية من بين مجموعة الغايات الموجودة والعملية ككل من وسائل وغايات في جذورها التكوينية هي تموضعات قبلية لوعي بعدي(3).ـ
(1) يوجد جانب مادي حسي وحركي لجهاز الادراك الذي يقوم فيه خزين الانسان العقلي باعطاء المعنى الذاتي للاحاسيس الواردة له والفعل الحركي الناتج عن هذا المعنى حيث ((هناك في الاساس أربع مساحات رئيسية للحاء [ القشرة المخية ] ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمعلومات الواردة من العالم الخارجي. ثلاثة منها تختص بالمعلومات التي لها علاقة بالاحاسيس عل سطح الجلد، والعينين والأذنين واما الرابعة فهي المنطقة الحركية التي ترسل التعليمات إلى مختلف العضلات الملتفة حول الهيكل العظمي، ومن الملفت للنظر حقاً ملاحظة ان المساحات الحسية والحركية المخصصة لمختلف أجزاء الجسم على سطح اللحاء تتناسب عكسياً مع حجم هذه الاجزاء الجسمية ص31، عقول المستقبل تايلور)).
(2) صالح: الانسان من هو ص20.
(3) ووفقاً لهذا الفهم فان ((المنظرين))
الذين يريدون ان يحسنوا ((الطبيعة البشرية)) يبقى هدفهم
دائماً وأبداً نظرياً لأنه من الناحية العملية من يقوم بعملية التحسين هذه؟ وما هي
مادة التحسين؟ الم يكن كلاهما (الـمُحَسِن والمادة الـمُحَسَنَةَ) نتاج مجالاتها
الجذبية المتنوعة والمتناقضة؟ والذي يؤيد فمنها هذا هو انه لم تتم عملية التحسين
الجمعي حتى في المجال الجذبي الواحد. وبالاضافة إلى ذلك فان ((البيئة التي يتكلم
عنها سكنر هي ليست
بمواصفات مختبراته ولا بمواصفات أي
مختبر سايكولوجي والانسان الذي يتكلم عنه ليس بمواصفات أذكى فأر عنده،
فالهايبوثالاماس على سبيل المثال وهذا أبسط الفروق الثابتة علمياً، يعتبر مركز
الحياة الغريزية، وهو الذي يسير إلى حد كبير السلوك الغريزي لدى الحيوان، اما عند
الانسان فان الهايبوثالاماس يكون واقعاً تحت اشراف القشرة المخية، وهذه واقعة تحت
اشراف المنطقة قبل الجبهية، التي تعتبر المرتكز العضوي لقدرة الانسان على ضبط سلوكه
وفقاً لوعيه ودون استسلام لحتمية الغرائز اضافة إلى ما فعلته اللغة في الانسان من
تأثير وتطور وامكانات هائلة. صالح، الانسان من هو، ص127)).ـ
اذن الكابح العام لتكرار الوعي هو عقل بعدي الوعي ذو تفكير جدلي استجاب استجابة جدلية والاستجابة كما قلنا مرتبطة بالوعي، وبما انه توجد ثلاث درجات للوعي، ، اذن يوجد ثلاث درجات للاستجابة، فالاستجابة اما ان تكون استجابة جدلية وهي استجابة الوعي البعدي أو استجابة تكيفية وهي استجابة الوعي التماثلي، أو استجابة سلبية وهي استجابة الوعي القبلي، فمادة الاستجابة الجدلية هي التفعيل باعتبارها تموضع ذات بعدية الوعي، ومادة الاستجابة التكيفية هي التطابق باعتبارها استجابة فردية لوعي تماثلي، ومادة الاستجابة السلبية هي (العدم) فالتفعيل هو التكوين القصدي لما هو موجود بواسطة فاعل ذا ارادة حرة وهو العقل الجدلي، والتطابق هو التركيب الحسي لما هو موجود بواسطة فعل آلي مقيد بمدى الوعي الجمعي للمجتمع. وان كل ارتقاء للخزين العقلي للانسان كوعي جدلي بواسطة وعي بعدي بدون موازنة موضوعية عقلانية في تعديله للخزين العقلي في تفاعله مع المتغيرات الجديدة هو ارتقاء كاذب لأنه يتم بواسطة دَفْعَة تأتي من خارج التاريخ لا تقدم يتكون في داخل التاريخ، والانسان باعتباره الكائن الوحيد الذي يفكر عبر الألفاظ فان لوقع الكلمة في خزينه العقلي ((وقع الصياصي في النسيج الممدد)) لقوتها الفسلجية والاجتماعية الهائلة في تغير سلوكه.ـ
ان تعديلات الخزين العقلي للانسان يجب ان تكون ضمن مدى الإمكانيات الذاتية وان لا تتجاوزه وان تجاوزته أصبحت الأهداف البعدية للخزين العقلي لا عقلانية لأن الحياة السلوكية للفرد هي مظهر لإمكانياته الفسيولوجية ومقاييسه الذهنية.ـ
المشكلة الجوهرية للخزين العقلي كوعي جدلي هو درجة العلاقة ما بين الوعي التطابقي كما هو موجود في الواقع والوعي البعدي كما هو مطلوب بالذهن، وهناك حقيقة الانعدامية المطلقة للانموذج الكامل في الواقع بالنسبة للمجتمعات الجدلية واستمرارية توق الوعي البشري لتحقيق هذا الانموذج الغير موجود أبداً وهو سر ديمومة لغز معنى الحياة والا لكانت نهاية الحياة كنهاية ذكر النحل في تحقيق انموذجه الأمثل والأوحد والمتمثل بتلقيحه للملكة!!! وهي النهاية التي تشبه نهاية وعي الفرد في المجتمعات البدائية الذي يتنفس الوعي من محيطه الذي يحيا فيه كما يتنفس الهواء وذلك بتعبيره المطلق عن وعي المجتمع والا فكيف يتكون الوعي (الجدلي) في مجتمع تنعدم فيه كلمة الاشارة للضمير المتكلم أنا. نعم. ان قوة الوعي الجمعي لدى الشعوب البدائية وضآلة الشعور بالخصوصية والفردية وصلت حد انعدام هذه الكلمة ((فهنود الونتو في كاروليتا الشمالية، وعلى سبيل المثال، ليست عندهم حتى كلمة الاشارة للضمير المتكلم ((أنا)) أو ((ذاتي)) فالهندي منهم حين يصف رحلة مع صديقه المسمى بالسحابة البيضاء فانه يقول ((السحابة البيضاء – نحن)) بدلاً من القول ((أنا والسحابة البيضاء)) فهذا الهندي لا يجد ما يحمله على التفرقة بين نفسه وسائر اعضاء القبيلة))(1) ((نجد ان اعضاء قبيلة الماوري [
Maori] في نيوزلندا على سبيل المثال ليس لديهم كلمة للتعبير عن الملكية للمتكلم المفرد، ولكن عندما يقول أحدهم ((هذه أرضي)) ملوحاً بيده إلى عشرة آلاف فدان، فان هذه العبارة تعني ان هذه أرض القبيلة والاسلاف، ولا بد ان تنتابهم حيرة شديدة ان ظن أحدهم أنهم يملكون الأرض ملكية فردية، فهم لا يدركون معنى الملكية، ناهيك عن الملكية الخاصة(1) رايلي: الغرب والعالم ص152 القسم الأول ترجمة : عبد الوهاب المسيري، د. هدى عبد السميع.
(2) المصدر نفسه، ص154.
والاغرب من هذا ان وعيهم الجمعي لم يتوقف عند حدود تماثلهم الذهني كأقيسة موضوعية أقصى ما يسعى الفرد للحصول عليه في حياته هو تمثلها في سلوكه بل وصل (وعيهم) الجمعي حتى مستوى البيولوجيا (المقياس الغريزي) ((وتفتقر بعض المجتمعات البشرية إلى القابلية لانتاج أجسام مضادة ضد بعض الجراثيم المرضية، فمثلاً قضي على عدد كبير من سكان جزيره هاواي عندما جلب المبشرون معهم فيروس مرض الحصبة وبسبب عدم تعرضهم السابق لمثل هذا الفايروس لم تتطور عضوياً تلك الجينات المسؤولة عن انتاج خلايا الليمفوسايت (
B) الخاصة بانتاج الاجسام المضادة للفيروس))(1) ((فمرضا السل والحصبة، مثلاً، أوديا بحياة الكثير من ابناء البولنييزيين، ومن المعروف ان الشعوب البولينيزية لم تكن تتمتع بمناعة قوية ضد الامراض التي أدخلها الأوربيون بسبب انعزالها مدة طويلة عن انحاء العالم الأخرى، ولذلك فتكت االأمراض بهم فتكاً ذريعاً، حتى ان قرى برمتها خلت من سكانها فتداعت منازلها وتحولت إلى أطلال ينعق فيها البوم))(2). وهكذا أصبحت الشعوب البدائية بسبب تحجر خزينها العقلي كوعي جمعي مادة للدراسة الانثروبولوجية.ـحتى ان كلمة الخصوصية والفردية في جذورها التكوينية في بعض المجتمعات تعبر عن نشاز سلوك الفرد كما هو الحال في كلمة
Privatus الرومانية (اللاتينية) وكلمة Idiates اليونانية (( سمح الرومان بقدر من الفردية والخصوصية يفوق ما سمح به اليونان والكلمة الرومانية (اللاتينية) الدالة على الخصوصوية Privatus تعني نقص أو غياب مزايا الحياة العامة، فقد شعر الرومان بان المواطن الفرد Private كان ((يحرم)) (deprived) نفسه من قيم المجتمع. فالخصوصية خطأ ومن حرم شيئاً لا يمكنه ان يحيا حياة كاملة، غير ان اليونانيين كانوا أكثر هجوماً على الحياة الخاصة من الرومان، فالكلمة اليونانية Idiotes الدالة على الخصوصية تعني غير الماهر أو الجاهل أو حتى ((الأبله)) اذ اعتقد اليونانيون ان الشخص الفردي لا يحرم نفسه من المجتمع فحسب بل انه يصبح أبله نظراً لأن كل المعرفة والذكاء ينبعان من المجتمع، ان الفرد الروماني كان ينقصه شيء ما أما اليوناني فكان ينقصه كل شيء(3))). الخزين العقلي للانسان يوجد منذ الطفولة وظاهرة التعجب عند الطفل أكبر دليل على تكوين الخزين العقلي الطفلي حيث(1) الربيعي: الوراثة والانسان (أساسيات الوراثة البشرية والطبية) ص71-72.
(2) لنتون: الانثروبولوجيا وأزمة العالم الحديث ص62.
(3) رايلي: الغرب والعالم ص161 القسم الأول، ترجمة: عبد الوهاب محمد المسيري، د. هدى عبد السميع- ((ولعل السبب الرئيسي في ضآلة الشعور بالخصوصية والفردية لدى الشعوب البدائية هو ان حياتهم متشابهة إلى حد كبير. فلا يوجد سوى قلة قليلة من المتخصصين في المجتمع البدائي ربما طبيب ساحر أو زعيم واحد، بينما يشترك كل الآخرين في العمل الجماعي الخاص بتوفير الطعام، وارضاء الآلهة، ولما كانوا يحيون حياة عامة مشتركة فرأيهم في الأمور واحد تقريباً، قد نجدهم يختلفون حول أفضل مكان للتربص بالخنزير الوحشي (اذ كانوا هم وأسلافهم يقومون باصطياد الخنزير دائماً) ولكنك لم تجد منهم من يقترح صيد السمك بدل الخنزير ص154 الغرب والعالم، القسم الأول، كافين رايلي. ترجمة: د. عبد الوهاب محمد المسيري، د. هدى عبد السميع حجازي)).ـ
انه يحدث ((عندما لا تتفق البيانات التي يحصل عليها الطفل من الخارج مع البيانات التي يختزنها أو بمعنى آخر عندما لا تتحقق توقعاته فالطفل لا يستطيع ان يتعجب الا عندما يبدأ يكون نوعاً من التوقع أو الفروض))(1).ـ
الخزين العقلي للانسان هو الذي يعطي الاحساس معنىً ادراكياً والتباين فيه (أي الادراك) نتاج تباين تمثل العلاقة ما بين الذات المدرِكة والموضوع المدرَك فموضوعية معرفة أي موضوع هو آخر تكشف له (تمظهر إمكانياته بمعنى درجة معرفة الذات المدرِكة له موضوعياً) وهو ما أسميته بحلقة الموضوع الكبرى (يخص هنا جانب المعرفة من العقل الذي هو أقل تبايناً وأكثر استقراراً من جانب الوعي) وكل تكشف هو هدنة توتر(2) باعتباره قلق جمعي لحين التمظهر الموضوعي (التام) لكل إمكانياته، فعملية الإدراك لا تتحدد بالذات المدرِكة ولا بالموضوع المدرَك وإنما تكمن في عمق العلاقة بينهما تلك التي تخلي السبيل كأساس كامن لعلاقات أعمق وأشمل وأكثر تكشفاً وهكذا يستمر التكوين التاريخي للمعرفة(3) التي هي بصورة عامة عملية كشف للعقل العام أو المفاهيم الموضوعية وهي حركة زمانية من الموضوعية بالقوة إلى الموضوعية بالفعل يقوم فيها الزمن بدور الكشف والممارسة حيث ان الموضوع المعروف بالنسبة للذات العارفة أما ان تكون موضوعية بالقوة (فاعلة منعكسة مظهرياً في الذات) أو
(1) اسماعيل: الاطفال مرآة المجتمع ص73، النمو النفسي والاجتماعي للطفل في سنواته التكوينية.
(2) يقابلها في مستوى التطور النفسي (الوعي) للانسان بان كل وعي تطابقي في مسيرة الانسان الجدلية في أي مرحلة من مراحل بناءه العقلي هي هدنة توتر بحدود منع استرخاء شد الذهن باتجاه الواقع.
(3) ووعي الانسان كتكوين سايكولوجي يكمن أيضاً في عمق العلاقات لا الموضوعات تلك التي تخلي السبيل كأساس كامن لعلاقات أعمق وأشمل وهكذا يستمر التكوين التاريخي للنفس (الوعي).
موضوعية بالفعل (فاعلة منعكسة جوهرياً في الذات) أي:ـ
وهذه المعرفة بتزاوجها مع التكوين التاريخي للوعي يتكون التكوين التاريخي للعقل، كمثال على ان عمق المعرفة تكمن في الرابطة ما بين الذات المدرِكة والموضوع المدرَك التي تكتمل حقيقتها الموضوعية بإطار استمرار التكشف التاريخي لها، نحن أبناء القرن الواحد والعشرين عندما نقول ان القمر جسم مظلم لا يضيء بذاته بل يعكس ما يسقط عليه من ضوء الشمس إلى الأرض فان قولنا هذا يكتسب قيمة موضوعية جمعية على درجة كبيرة من الاستقرار، في حين لو ان أعظم فيلسوف من الفلاسفة الكبار من امثال سقراط وافلاطون قال نفس هذا القول لم يكتسب قوله نفس هذا الاستقرار الموضوعي أي كان مستوى قائله، بالرغم من ان الالفاظ الشمس، الأرض، القمر هي هي تعبر عن مسميات لها نفس الوجود الموضوعي(1).ـ
فأين تكمن تلك القيمة الموضوعية الجمعية؟ تكمن في مضمون العلاقة ما بين الالفاظ التي هي نتاج تاريخي تعبر موضوعياً عن درجة تكشفها.
فالشيء الذي أريد ان أقوله على ضوء هذا الفهم ان بروتوغاروس القرن الخامس قبل الميلاد هو اينشتاين القرن العشرين كما ان اينشتاين القرن العشرين هو بروتوغاروس القرن الخامس قبل الميلاد، الفرق بينهما هو التكوين التاريخي للرابطة التي تربط الذات المدركة بالموضوع المدرك وهي متضمنة بعمق لكل خبرة المعارف القبلية التي انتجها العقل البشري عبر التاريخ فبروتوغاروس السفسطائي(2) يقول ان الانسان هو مقياس كل
(1) فأنكساغوراس (500-428ق.م) نتيجة لآراءه التي نشرها بين الناس بخصوص الشمس والقمر واللذان اعتبرهما احجار ملتهبة اتهم بالالحاد. ـ
(2) قوة النعت السيئ لمصطلح السفسطائي عند اليونان والجاهلية عند العرب ناتجة من قوة التوظيف الموضوعي لوعي بعدي، فكلا المصطلحين يشتركان باعتبارهما فساد شامل في الفكر والاخلاق الناتج من قوة رسوخ الوجود الموضوعي للوعي البعدي المتمثل بتعظيم مرحلة ما بعد اطلاق المصطلح إلى حد الاخلال في توازن الرؤيا العقلية للمرحلة التي يعبر عنها المصطلح، فالاصل في المصطلح عند العرب هو الجانب الديني لأن عرب قبل الاسلام هم عبدة الاوثان فاطلق عليهم تاريخ الاسلام مصطلح الجاهلية بمعنى جهلهم بالاديان السماوية، وكذلك عند اليونان ان طلب الحكمة يجب ان تكون غاية في ذاتها وليست وسيلة لتحقيق غاية أو محصلة ذاتية بمعنى ان الدافع يجب ان يكون للذة عقلية خالصة من أي شوائب لذلك فالسوفسطائية بهذا المعنى أصبحت حالة مرضية واتخذت معنى ((الحكمة المموهة)) لجعلها الحكمة (سلعة) تباع وتشترى كما جاء في وصف ارسطو للسفسطائي بانه ((يبحث عن المال من خلالها (أي من خلال الحكمة))).ـ
شيء، مقياس وجود الأشياء بوصفها موجودة ومقياس ما هوغير موجود بوصفه غير موجود، ويقول اينشتاين القياسات هي بالنسبة لمن يشاهدها والقياسات المختلفة للشيء الواحد كلها صحيحة؛ ولهذا سميت نظريته بالنظرية النسبية (ولم تكتف بتوضيح ان الراصدين المختلفين يسجلون قياسات مختلفة عند نفس النقطة ونفس اللحظة من الزمان، بل أوضحت أيضاً انهم كلهم يمكن ان يتساووا في الصحة))(1) ذلك لأن بروتوغاروس لم يعرف طريقة ميكلسون ومورلي بالمرايا، وطريقة فيزو لقياس سرعة الضوء، ولم يعرف ان سرعة الضوء مطلقة ومقدارها 300.000كم في الثانية، ولم يعرف معادلة التحويل للورنتيز التي استخدمها اينشتاين في نظريته النسبيه. ووفق هذا الفهم ايضا نقول ان النظرية الذرية لديمقرطيس التي تقرر ان كل شيء مكون من ذرات صغيرة الحجم غير منقسمة كثيرة العدد لا ننتقدها حديثاً كنقد لفظي على اعتبار ان العلم اثبت بان المادة تتكون من دقائق أصغر من ذرات ديمقريطس وهي الالكترونات والبروتونات والنيوترونات، بل ان الرأي السائد حالياً هو ان جميع هذه الجسيمات تتكون من جسيمات أصغر منها تدعى ((الكوارك)). اذن باطار تكوين العقل الجدلي كتمظهر تاريخي للامكانات الكامنة في المادة نقول ان ذرة ديمقريطس ديالكتيكياً هي لحد هذه المعرفة المعاصرة باطار المشروطية التاريخية للحدود التي وصلت إليها معرفتنا هي الكواركات كما يفهمها العلم الحديث.ـ
تكمن هذه الحدود الفارقة في التكوين التاريخي للرابطة (الموضوعية) التي تربط الذات المدرِكة بالموضوع المدرَك، وهذا التكوين يعني ان عملية اكتساب المعرفة تتم من خلال عملية التفاعل ما بين خزين الانسان العقلي المتكون زمنياً وزمانياً والواقع الموضوعي المشترك بين الناس (آخر تكشف للموضوع المدرَك)(2) انه ضغط جدل التاريخ، غنى الرابطة الجدلية بالخبرة التاريخية للعقل البشري وكمثال آخر أكثر وضوحاً على عمق الرابطة في غناها بالحقيقة الموضوعية باطار التكوين الجدلي للمعرفة هو القانون الدوري لمنديليف حيث تنبأ هذا العالم (1869) في عصر انتهت فيه المعجزات بوجود ثلاثة عناصر لم تكتشف بعد، فكانت
(1) جينز: الفيزياء والفلسفة ص184، ترجمة: جعفر رجب.
(2) يقول الفيزياوي جيمس جينز ((عندما ينمي الانسان محتواه العقلي فإنه يكتسب معرفة جديدة وهذا يحدث عندما ينشأ اتصال بين العالمين الموجودين على جانبي اعضاء الحس، عالم الافكار في عقل الانسان المفرد، وعالم الاشياء الخارج عن عقول الافراد وهو مشترك بالنسبة لنا جميعاً ص20 الفيزياء والفلسفة، جيمس جينز)).ـ
نبوءة جريئة من حكيم روسيا ولكنها نبوءة لا يمكن له بذاته الخالصة ان يتنبأ بها وإنما تنبؤه، نتاج القانون الدوري، وقانونه هذا ((احتاج إلى عدد كافٍ من العناصر يُكتشف حتى يمكن جدولتها، وحتى تُيسر لكشف هذا القانون من بعد ذلك، ان ديمتري منديليف لو انه ولد قبل جيله بجيل، ما استطاع ان يكتشف ((القانون الدوري)) هذا الذي اكتشف(1))) فقوة تنبؤ مندليف بالغيب ليست نتاج تأمل ميتافيزيقي وانما نتاج جدل العلاقات التي تربط العناصر الثلاثة والستين المعروفة في عصره ونظمها في جدوله الدوري ((ويبقى لمنديليف ان يضرب ضربته الكبرى، ففي جدوله كانت خانات لا تزال فارغة. فهل تظل هذه الخانات فارغة إلى الابد، ام ان المجهود الانساني لم يفرغ بعد من كشف العناصر التي تملأ هذه الخانات . . . ففي المجموعة الثالثة [ من الجدول الدوري ] كانت خانة فارغة بين الكالسيوم والتتانيوم وبما انها وقعت تحت البورون، فالعنصر المجهول الذي يملأها لابد ان يشبه البورون في خواصه وسماه شبيه البورون، وكانت خانة أخرى فارغة في نفس هذه المجموعة، ووقعت تحت الالمنيوم، فسمى عنصرها المجهول بشبيه الألمنيوم، وأخيراً وجد خانة ثالثة فارغة، في المجموعة الرابعة، وبما ان موضعها كان تحت السليكون، فقد سمي عنصرها المجهول شبيه السليكون وبهذا تنبأ بوجود عناصر ثلاثة لم تكن اكتشفت، وقُدّر لمنديليف ان تُكتشف هذه العناصر الثلاثة التي تنبأ بها في حياته))(2).ـ
(1) جافي: بواتق وانابيق (قصة الكيمياء). الترجمة العربية للدكتور أحمد زكي.
(2) المصدر نفسه، ص260. في عام 1875 اكتشف الفرنسي لوكك دي بوابودران العنصر النسبية بالالمنيوم وفي عام 1886 اكتشف الألماني فنكلر
Winkler العنصر الشبيه بالسليكون وفي عام 1888 اكتشف نلسن Nilson العنصر شبيه البورون.ان القوة العقلية المستندة لقوة التاريخ كتكوين جدلي في الخزين العقلي للانسان تقوم بعملية تعديل الصورة الذهنية للاحساس التي تنفذ من خلال الحواس للخزين العقلي لتكوين الادراك وهنا تكمن الخطوط الدقيقة جداً للتمييز بين ما هو عقلي وما هو ذهني فالذهني هو التكوين ما قبل العقلي (لا يوجد تفاعل مع عوامل جديدة) والعقلي هو الذهني في تفاعله مع الدخيل الجديد (يوجد تفاعل مع عوامل جديدة) وتختلف شدة التفاعل باختلاف درجة يقين التكوين العقلي المُدرَك الذي يتفاعل مع ما هو مدرَك (هذا المدرَك بالذات وليس غيره) من خلال الاحساس به أولاً باعتبار الاحساس يمثل كل ما يمثله الذهن من تصور للعالم الخارجي دون ان يتضمن تفاعل مع ما هو عقلي ومن ثم وعلى اساسه يتم الادراك باضفاء المعنى العقلي له بواسطة خزينه فالذهن هو طاقة كامنة تكون الصورة الحسية له بمثابة منبه فيعطي للإحساس معناه كمدرِك عقلي باعتباره (أي الذهن) الخزين العقلي للانسان، وهذا التباين في الادراك نتاج تباين تمثل قوة التاريخ باعتبارها توظيف جدلي لخبرة النوع سواء أكان على المستوى البيولوجي الكامل التكوين والذهني المستمر التكوين وهي قوة هامة في تكوين العقل الجدلي بحيث لو كان غنى التجربة التاريخية مما ورثناه في عصرنا بما فيه من تناقضات متقولبة موجود في عصر أرسطو لاضافة إلى قوى النفس الثلاث قوة رابعة هي قوة التاريخ. إذا حدث أي تغيير في الظروف الخارجية فانه لابد ان يحدث تفاعل في الخزين العقلي يتخذ الوجهة التي تقاوم أثر ذلك التغيير الخارجي، أو يتم تعديل ذلك النظام بحيث يستوعب ذلك الأثر، وقد يكتسب هذا التفاعل درجة الحكم القطعي وهذا يعتمد على القوانين (الموضوعية) المحتواة في الخزين العقلي للانسان كأقيسة تمثل آخر تكشف للموضوع المدرَك كما في الصورة الذهنية للعصا المغمور نصفها في الماء والتي تنفذ من خلال حاسة البصر بانها عصا مكسورة، فهذه الصورة الذهنية لم تكن لغزاً، والحقيقة الموضوعية لها عند الذات المدركة للقانون الفيزياوي للظاهرة تعدل الاحساس مباشرة باعتباره انكسار للضوء لمروره بين وسطين مختلفي الكثافة(1) وهذا دليل لتفنيد انكار قيمة المعرفة الحسية كنتيجة لتناقضات الاحساس والتي تم استنتاجها على أساس انه في حالة غمس أحدى اليدين في ماء بارد والأخرى في ماء ساخن ثم غمس اليدين في ماء دافئ فيبدو الماء الدافئ لليد الساخنة بارداً ولليد الباردة ساخناً فتم استنتاج ان الماء الدافئ ساخن وبارد في نفس الوقت وثم انكار قيمة المعرفة الحسية وهو جهل بقوانين الفيزياء، حيث ان الخزين العقلي المحتوى فيه القانون الفيزياوي الذي يفسر هذه الظاهرة يدرِك مباشرة ان هذا الاحساس لا يتعدى أكثر من انتقال للحرارة من الجسم الأكثر حرارة إلى الاقل حرارة.ـ
(1) من الطريف ان أذكر هنا ان طائر النورس (يدرِك) هذا القانون ادراكاً عملياً في اصطياده للاسماك الصغيرة وهي في الماء حيث انه ينحرف قليلاً بمقدار انكسار الضوء عن المكان الذي تبدو فيه صورة السمكة في الماء، وهذه إمكانيات غريزية أودعها الله سبحانه وتعالى في الكثير من الكائنات الحية.ـ
يتميز الاطار المرجعي العام للجانب المعرفي من العقل بانه أكثر استقراراً من الاطار المرجعي العام للوعي الذي يتميز بديناميكيته الاجتماعية بسبب المجالات الجذبية المختلفة والمتناقضة للمجتمعات، فجانب الوعي من العقل يتعامل مع التكوين التاريخي والرأي الحر والقناعة الذاتية بينما جانب المعرفة من العقل يتعامل مع الحقائق الموضوعية المجردة من ضغط التاريخ في نتيجتها النهائية، وهي عالمية غير مرتبطة بالمجالات الجذبية المحلية للمجتمعات، والسبب في تباين المجتمعات في وعيها وكذلك الافراد داخل المجتمع الواحد هو عدم وجود نقاط رجعية ثابتة مطلقة للوعي مجردة من ضغط الزمان والمكان وتعتبر كمقياس معياري مطلق(1).ـ
(1) ومن المهم التأكيد على ان الاطار المرجعي للعقل بجانبيه الوعي والمعرفة هو ما يميز العلوم الطبيعية عن العلوم الاجتماعية حيث ان الاخيرة تتميز بعدم وجود اطار مرجعي عام لكل المجتمعات لكي يتم من خلاله الحكم على السلوك الاجتماعي سلباً أو ايجاباً، أمانةً أو خيانة، شجاعة أو جبناً، فالاطار المرجعي للوعي في ذاتيته (الخاص) يتمثل بالمقياس الذهني المحصلة للذات وبموضوعيته (العام) هو حلقة الموضوع الكبرى للمجتمع في محصلتها النهائية لشتى الموضوعات، وهي ليست اطار مرجعي مطلق، وانما نسبي لنسبة وعي المجتمعات وليس كما الحال في جانب المعرفة من العقل التي اكتسبت مطلقيتها من عموميتها لجميع المجتمعات.ـ
يتضح من خلال تكوين الخزين العقلي للانسان ان التجارب على المستوى النفسي
لا تكون نتائجها مضبوطة فيما يخص الافراد الذين هم موضوع التجربة في تعميمها على الآخرين لأنه مهما كانت الجهود لاستبعاد المتغيرات الدخيلة بشكلها الخارجي المنظور فانه
لا يمكن استبعاد الخزين العقلي الكامن للانسان الفرد في نضاله الجدلي في الحياة، فعلى سبيل المثال – كما ذكرت ذلك في موضوع الشيزوفرينيا – تراوحت النتائج في